Skip navigation

ربيعة قدير.. محامية “الإيجور” طريدة حكومة الصين

ربيعة قدير

<!–

in

–>الأربعاء يوليو 15 2009 –

لندن – ربيعة حتى عام 1995 كانت ربيعة قدير أغنى امرأة في إقليم تركستان الشرقية (شينجيانج) الواقع شمال غرب الصين، محاطة بزوجها وأولادها الأحد عشر وعدد من المناصب السياسية المرموقة، أما الآن فهي في المنفى، بعيدة عن ثروتها ومجردة من مناصبها، محرومة من بعض أبنائها القابعين في سجون بكين، مطاردة من الحكومة الصينية بتهمة “إفشاء أسرار الدولة” خلال دفاعها القوي عن حقوق مسلمي شينجيانج، الذي كان يوما دولة مسلمة باسم “تركستان الشرقية”.

فمنذ تسعينيات القرن الماضي التصق اسمها بقضية مسلمي الإيجور (السكان الأصليين لتركستان الشرقية)، بعد أن نالت منذ ذلك الوقت وحتى الآن نصيبا موفورا من عذابات تقول: إن الكثير منهم يعانونها، وذلك من خلال تجاربها المؤلمة مع السجن والحرمان من الأبناء والثروة، وكذلك الحرمان من الوطن إلى المنفى في الولايات المتحدة بتهمة رئيسية هي “إفشاء أسرار الدولة”.

وطوال هذه السنوات قبلت ربيعة (63 عاما) بكل هذه الأشكال من الحرمان، لكنها لم تقبل بأي حال الكف عن التحدث عن معاناة الإيجوريين في ظل الحكم الصيني.

وفي المواجهات الأخيرة التي شهدها هذا الأسبوع بين الإيجور من جهة، وقوات الأمن الصينية وعدد من أبناء عرقية الهان (العرق المسيطر في الصين) من جهة أخرى، على صوتها مجددا بانتقاد الحكومة الصينية، والتذكير بـ”انتهاكاتها الواسعة لحقوق الإيجور، السكان الأصليين لإقليم شينجيانج”.

وتلخيصا لأسباب هذه الأحداث قالت ربيعة لصحيفة “فوكس” الألمانية: “الحكومة الصينية منحتنا- منذ سنوات- نوعا من الحكم الذاتي، ولكنها لا تزال تعاملنا كحيوانات.. نحن نتعرض للقمع، ونعامل كمواطنين من الدرجة الثانية”، في حين “إننا نريد حرية حقيقية وحق تقرير مصيرنا بأنفسنا”.

وقبل سنوات ليست بالبعيدة كانت ربيعة من أغنى أغنياء الصين، بحسب تقدير مجلة “فوربس” الأمريكية عام 1995، فكانت تنعم وسط هذا الثراء بمناصب سياسية واجتماعية مرموقة، منها نائب بمجلس نواب شينجيانج، وعضوا في المؤتمر السياسي الاستشاري للشعب الصيني، ونائب رئيس إتحاد الصناعة والتجارة، ورئيسة جمعية سيدات الأعمال في شينجيانج، واختارتها بكين لتكن ممثلة رسمية للبلاد في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة عام 1995.

وسبق ذلك رحلة طويلة من الأعمال التجارية التي رفعتها من قاع الفقر إلى قمة الغنى، وذلك بعد أن اضطرتها ظروف اعتقال زوجها بنفس تهمة “تهديد أمن الدولة” إلى اقتحام سوق العمل للإنفاق على أولادها (11 ولدا وبنتا)، فأسست بداية مكانا متواضعا لغسل وكي الملابس، ثم عملت ببيع الأزهار، ثم أسست شركتها التجارية الخاصة.

وتوسعت في تجارتها إلى الأقاليم الأخرى، بل وإلى الدول الإسلامية المجاورة في آسيا الوسطى وصولا إلى تركيا، وفي مدة 10 سنوات استطاعت أن تنضم لأصحاب الملايين.

وتلقفت وسائل الإعلام الصينية نجاح ربيعة، وروجت له في الداخل والخارج على أنه دليل على الحرية التي توفرها الحكومة لأبناء الإيجور لتحقيق ذواتهم والرفع من شأن قومهم.

وخلال هذه المسيرة كانت قضية الإيجور رفيقتها في النجاح؛ حيث وجهت جزءا من دخلها ومشروعاتها لمساعدة النساء الإيجوريات الفقراء في الحصول على عمل ومشروعات صغيرة لرفع مستوى معيشتهن من خلال حركة “حركة الألف أم” التي أسستها عام 1997 لتوفير فرص العمل للنساء، إضافة إلى فتح مركز لتعليم اللغات ومحو الأمية.

من السجن إلى النفي

ولكن تمتع ربيعة وغيرها من النساء والأسر العاملين معها بالثروة الجديدة لم يدم طويلا، ففي عام 1997 تم وضعها تحت الإقامة الجبرية بسبب أنشطة زوجها، وفي مارس 1999 أدخلتها الحكومة في دائرة استجوابات عنيفة عن أنشطتها الخاصة، وفي مايو من نفس العام وجهت لها تهمة “تسريب معلومات عن الدولة إلى الخارج”، وذلك بعد أن طلب منها زوجها، صديق راضي، الذي فر من الصين إلى الولايات المتحدة أن ترسل له صحفا محلية لمتابعة أخبار بني قومه.

وراضي كاتب مرموق مهتم بحقوق الإيجور، وفر إلى الولايات المتحدة طالبا حق اللجوء السياسي في بداية 1996 بعد أن تعرض للسجن بسبب أنشطته وكتاباته عن قضية مسلمي شينجيانج.

وفي 11 أغسطس اعتُقلت ووجهت لها مباشرة تهمة “تسريب أسرار الدولة وتوفير معلومات لمنظمات أجنبية”، وكانت حينها في طريقها للقاء وفد من لجنة حقوق الإنسان بالكونجرس الأمريكي الذين جاءوا علنًا لزيارة الصين والبحث في أوضاع الأقليات، وكان اعتقالها قبل أن يتم اللقاء.

وحكم عليها في عام 2000 بالسجن 8 سنوات، وخفضت عقوبتها في مارس 2004 إلى سنة واحدة قالت وسائل الإعلام الصينية وقتها إنه لحسن سلوكها ومراعاة لظروفها الصحية، في حين قالت تقارير صحفية خارجية إن ضغوطًا أمريكية كانت وراء قرار الإفراج، خاصة بعد أن أبدت واشنطن استعدادها لإسقاط مشروع قرار في مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأم المتحدة ضد الصين.

وفي عام 2005 خرجت ربيعة إلى عالم الحرية من جديدة، وعند نفيها إلى الولايات المتحدة قالت: “أصبحت حرة الآن، أتمنى أن يصبح شعبي حرا بدوره”.

وقتل أكثر من 184 شخصًا وجرح واعتقال المئات في اشتباكات هذا الأسبوع بين الإيجور وقوات الأمن، والتي تعد الأعنف منذ عقود، أرجعتها ربيعة ونشطاء إيجوريين آخرين في المنفى إلى الدين قائلة: “نحن نضطهد فقط لأننا مسلمون”، مذكرة بما قالت إنهم 100 ألف إيجوري قابعون في السجون الصينية لأسباب سياسية ودينية.

وضمت بكين شينجيانج المسلمة إلى الصين في عام 1949، وشجعت على انتقال الصينيين من عرقية الهان على نطاق واسع إلى تلك الإقليم ليسيطروا على ثرواته وتصبح لهم اليد العليا فيه، وهو ما دفع الإيجوريين إلى اتهام الصين بمعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية برغم أنهم السكان الأصليون في الإقليم.

أبناء ربيعة

وبفرار الزوج إلى المنفى ثم رحيلها هي إلى ذات المنفى لم يبتعد السجن عن أسرة ربيعة؛ حيث وجهت السلطات الصينية إلى عدد من أبنائها، من بينهم عبد الحكيم عبد الرحيم، وعليم عبد الرحيم، تهمة “التخريب والتهرب الضريبي”، وأصدرت حكما بدفع غرامات تصل إلى عدة ملايين من الدولارات إضافة إلى سجن الأخير 7 سنوات، كما وُضعت ابنتها روشانجول رهن الإقامة الجبرية في منزلها عام 2006.

وفي ذلك الوقت اعتبرت منظمة العفو الدولية أن التهم الموجهة لأبناء ربيعة “ذات دوافع سياسية”، خاصة أن الأخيرة تلقت تحذيرات عقب الإفراج عنها بأن أسرتها ومتاجرها ستستهدف إذا ما واصلت أنشطتها في مجال حقوق الإنسان.

وشينجيانج هو أكبر إقليم في الصين، وتبلغ مساحته 1.6 مليون كيلومتر مربع، أي نحو 17% من مساحة الصين الحالية، وبه ثروات نفطية وزراعية ومعادن تعد أحد أقوى أعمدة الاقتصاد الصيني، وكان قبل عام 1949 دولة إسلامية اسمها “تركستان الشرقية”، وحاليا يبلغ عدد مسلميه أكثر من 8 ملايين نسمة.

“فرصة”

ومن باب “رب ضارة نافعة”، فإنه برغم أن ربيعة وأسرتها ليس أول من دخل السجون الصينية من الإيجور لأسباب سياسية، فإن سجن ربيعة وعدد من أفراد أسرتها، وحرمانها من الكثير من ثروتها، كان بداية قوية للفت نظر المنظمات الحقوقية الدولية، ووسائل الإعلام الخارجية إلى قضية الإيجور، ربما بسبب إصرارهم على مواصلة تبني قضية الإيجور، خاصة أن المنفى أصبح “فرصة” أتاحت لهم الحديث عن القضية في كافة المحافل الدولية المتاحة.

وكإحدى ثمار هذا النشاط اختارتها اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كأحد الفائزين الخمسة بأعلى جوائز حقوق الإنسان الدولية لعام 2000.

وفازت بجائزة “رافتو” لحقوق الإنسان في النرويج عام 2004، ووصل صوتها إلى جهات دولية لدرجة ترشيحها جائزة نوبل للسلام عام 2006.

وفي عام 2007 صوت مجلس النواب الأمريكي على قرار يدعو بكين للإفراج عن أبناء ربيعة قدير، و”الكف عن القمع الثقافي واللغوي والديني بحق الشعب الإيجوري”.

واتهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي التقى ربيعة قدير في ذات العام، بكين بسجن أبنائها بسبب دفاعها عن حقوق الإنسان، الأمر الذي اعتبرته بكين تدخلاً سافراً في شئونها.

وفي الأحداث الدموية الأخيرة التي وقعت هذا الأسبوع في شينجيانج، دعت ربيعة إلى إجراء تحقيق دولي، خاصة أنها تقول إن لديها شهادات من أبناء الإيجور بأن حصيلة القتلى تصل إلى الآلاف، وليس 184 كما تقول إحصاءات الحكومة الصينية.

وفي هذا الاتجاه طالبت الأم المتحدة والاتحاد الأوروبي بإرسال فرق تحقيق إلى الإقليم، كما دعت الولايات المتحدة إلى تبني قضية شينجيانج عبر فتح قنصلية أمريكية في عاصمته أورومتشي، وقالت في حديث مع مجلة “فوكس” الألمانية: “واشنطن التزمت بقوة قضية إقليم التيبت (جنوب غرب الصين)، عليها أن تفعل الأمر عينه مع الإيجور”.

وفي مقابلة لها مع صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية نشرته في 10 يوليو الجاري، طالبت الحكام المسلمين، ومنظمة المؤتمر الإسلامي بـ “الضغط على الصين للكف عن استخدام الإرهاب ذريعة لاضطهاد شعبنا”، مذكرة بأن “كبار رجال الدين و90 من الطلاب الإيجور الذين درسوا الدين الإسلامي في السعودية ومصر يقبعون الآن في السجون الصينية”.

وفي المقابل تتهمها الحكومة الصينية بـ”الإرهاب”، وتقول إنها تقف وراء أعمال العنف هذه، ووصل انتقاد مسئولين حالين وسابقين لها لدرجة أن قال إسماعيل أحمد، الرئيس الأسبق لحكومة شينجيانج الإقليمية، إنه “لا حق لها في تمثيل الإيجور.. الأم الروحية للإيجور التي يطبل ويزمر لها إرهابيو شينيجيانج ما هي إلا نفاية المجتمع الإيجوري” على حد وصفه.

الحل الوحيد

وعن الحل الذي تراه لمعاناة الإيجور تقول قدير في حديث صحفي: “الحل هو إعادة جميع الإيجور الذين رُحِّلوا بشكل قسري إلى غرب البلاد إلى مناطقهم، وإعادة الصينيين الذين وفدوا إلى منطقتنا إلى حيث جاءوا”، وطالبت المجتمع الدولي بـ”التوصل إلى حل نهائي لقضية الإيجور”.

ويطالب عدد من جماعات الإيجور باستقلال الإقليم عن الصين؛ ليعود لوضعه الذي كان عبارة عن دولة إسلامية مستقلة باسم: “تركستان الشرقية” قبل أن تضمها الصين عنوة في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ثم تحكم قبضتها عليها بعد كثير من المعارك في عام 1949، وأطلقت عليها اسم “شينجيانج” أي: “المقاطعة الجديدة”، وسعت إلى تحويلها للنمط الشيوعي الصيني الملحد خلافا للطابع الإسلامي السائد.

وكانت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية قد أفردت تحقيقا مطولا العام الماضي عن الأوضاع في شينجيانج ذكرت فيه أنه بمساعدة الحكومة صار أتباع عرقية الهان هم المسيطرين على غالبية المصانع والشركات، ولا يقبلون عمالة بها من غيرهم؛ مما اضطر الإيجوريين إلى امتهان أعمال متدنية مثل الخدمة في المنازل.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: